بلينوس الحكيم
365
سر الخليقة وصنعة الطبيعة ( كتاب العلل )
جميعا فاختلفت هذه الأفاعيل باختلاف التراكيب ؛ فالأصل هو الجوهر الأوّل الذي ابتدأ له وجاء اختلافه من الأعراض التي عرضت في الجوهر . [ 2 ] وأقول : إن الطبائع لمّا اجتمعت في خلقة النبات تكوّن من اجتماعها النبات [ 3 ] على قدر ما امتزجت بقلّتها وكثرتها وبقدر ما اقتبست من الحرّ والبرد واللّين واليبس ، وكذلك النبات هو مركّب من الطبائع الأربع بالزّيادة والنّقصان ، فما [ 5 ] تقاوم فيه الطبائع من النبات اعتدل ، وما لم تعتدل فيه وقهر بعضها بعضا [ 6 ] صار له الغلبة فيه لقوّته ولقهره ما سواه من الطبائع ، ومن أجل ذلك صار حرّ بعض النبات سفلا وبعضه صعدا ؛ فما كان منه حرّه يطير صعدا في أجساد الحيوان فإنّ علّته أنّ حرّه مع لينه في أصل خلقته لا مع يبسه ، فلمّا أصابه حرّ الكيان تميّزت رطوبته من يبوسته فهربت الرطوبة صعدا إلى [ 10 ] العلوّ فجنّت الحرّ في جوفها ؛ فلذلك صارت إلى العلوّ على قدر ما امتزجت بقلّتها [ 11 ] وكثرتها الحرارة بها في أصل خلقتها . وكذلك ما كان حرّه سفلا فإنّ علّته أن الطبائع الأربع لمّا اجتمعت في خلقته فحلّ اللّين اليبس وسخّنت الحرارة البرد قوى اليبس بما استفاد من الحرّ فظهر على اللّين فحصره فبطن اللين واجتذب اليبس بقوّته حرّ النار فأجنّه في جوفه فقوى به ونشأ الحرّ في [ 15 ] جسده وقبل الغذاء من الطبائع . فلمّا أصابه حرّ الكيان هربت رطوبته صعدا إلى العلوّ وقوى اليبس بالحرّ الذي أصابه من حرّ الكيان بالحرّ المستجنّ فيه من أوّل خلقته ، فأفرط فيه اليبس فحصر فيه الحرّ فانحدر إلى أسفل بطبيعته [ 18 ] وثقله وأحدر الحرّ معه مجنّا له في جوفه . فهذه علّة النبات ، لم صار حرّه سفلا وصعدا .
--> [ 2 ] له وجاء اختلافه K : به والاختلاف فيه P - - عرضت K : اعترضت P - - [ 3 ] تكون K : فتكون P - - [ 5 ] النبات هو P : هو K - - [ 6 ] وقهر K : قهر P - - [ 10 ] فهربت K : هربت P - - [ 11 - 12 ] بقلتها وكثرتها K : ناقص في P - - [ 15 ] فقوى K : فتقوى P - - [ 18 ] فحصر فيه K : فحصر P - -